ابن قيم الجوزية
196
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وحكمته وعزته وكماله المقدس : يأبى ذلك كل الإباء . ومن ظن ذلك به وجوزه عليه ، فهو من أبعد الخلق عن معرفته ، وإن عرف منه بعض صفاته كصفة القدرة ، وصفة المشيئة . والقرآن مملوء من هذه الطريق . وهي طريق الخاصة ، بل خاصة الخاصة ، هم الذين يستدلون باللّه على أفعاله ، وما يليق به أن يفعله ، وما لا يفعله . وإذا تدبرت القرآن رأيته ينادي على ذلك . فيبديه ويعيده لمن له فهم ، وقلب واع عن اللّه . قال اللّه تعالى : 69 : 44 وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ 45 ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ 46 فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ 47 أفلا تراه كيف يخبر سبحانه : أن كماله وحكمته وقدرته تأبى أن يقر من تقول عليه بعض الأقاويل ، بل أن يجعله عبرة لعباده . كما جرت بذلك سنته في المتقولين عليه . وقال تعالى : 42 : 24 أَمْ يَقُولُونَ : افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً . فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ هاهنا انتهى جواب الشرط ، ثم أخبر خبرا جازما غير معلق وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ : أنه يمح الباطل ويحق الحق . وقال تعالى : 6 : 91 وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ، إِذْ قالُوا : ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ فأخبر أن من نفى عنه الإرسال والكلام لم يقدره حق قدره ، ولا عرفه كما ينبغي ، ولا عظمة كما يستحق ؛ فكيف من ظن أنه ينصر الكاذب المفترى عليه ، ويؤيده ويظهر على يديه الآيات والأدلة ؟ وهذا في القرآن كثير جدا يستدل بكماله المقدس ، وأوصافه وجلاله على صدق رسله وعلى وعده ووعيده ، ويدعو عباده إلى ذلك ، كما يستدل بأسمائه وصفاته على وحدانيته وعلى بطلان الشرك كما في قوله 59 : 22 - 23 هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ . هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ ، الْجَبَّارُ ،